الشيخ السبحاني
179
رسائل ومقالات
فإذا كانت هذه مكانة الأخلاق ، فما هي مكانة الدين الذي هو دعامتها ؟ 9 . حريّة الإنسان في سلوكه الفردي والاجتماعي إنّ الفيلسوف الطائر الصيت « سارتر » ومن نحا نحوه أعطوا للحرية مكانة مرموقة ، وكأنّ الإنسانَ خلق للحرية وفي خدمتها ، وهم - لأجل ذلك - يرفضون الدين لأنّه يحدد حرية الإنسان ويزاحمها ، وينكرون كلّ أمر فطري أطبق عليه العقلاء في كلّ قرن كحسن العدل وقبح الظلم ، بحجة انّ الاعتراف بوجود هذا الميل الفطري ، يحدد حرية الإنسان ويضع لها إطاراً خاصاً ، فصارت الحرية عند هؤلاء ، إلهاً يعبد مكان إله العالم . وقد أخذ الإسلام من الحرّية ، الجانب الأوسط ، فرأى كرامة الإنسان في الحفاظ على حريته ، ولكن لا على نحو تكون ذريعة للانحلال الأخلاقي فتُصبحَ وبالًا عليه ، وتجعل الإنسان عبداً خاضعاً ، للميول والغرائز تحت غطاء ، صيانة الحرية . فالحرية بهذا المعنى ، تذليل للإنسان وهدم لكرامته ونوع من العبودية للشهوات والغرائز الجامحة كما حدّد حرّيته بعدم الإضرار بمصالح الآخرين ، وإن أردت التفصيل فنقول : يتميّز الإنسان عن سائر الموجودات بالتفكير العقلاني ، والحرّية في السلوك ، وكأنّ هذين العنصرين : التفكير والحرية ، جوهر الحياة الإنسانية . أمّا التفكير فقد دعا إليه الإسلام في العديد من آياته إلى درجة عُدَّت تنمية القوة العقلية والتفكر في مظاهر الكون من سمات ذوي الألباب ، قال سبحانه : « إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ